الغزالي

138

إحياء علوم الدين

ليشتغلوا به عن القرءان ، وقال الشافعي رحمه الله ويكره من جهة الخبر اللعب بالنرد أكثر مما يكره اللعب بشيء من الملاهي ، ولا أحب اللعب بالشطرنج ، وأكره كل ما يلعب به الناس ، لأن اللعب ليس من صنعة أهل الدين ولا المروءة ، وأما مالك رحمه الله فقد نهى عن الغناء ، وقال إذا اشترى جارية فوجدها مغنية كان له ردها ، وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا إبراهيم بن سعد وحده ، وأما أبو حنيفة رضي الله عنه فإنه كان يكره ذلك ، ويجعل سماع الغناء من الذنوب ، وكذلك سائر أهل الكوفة ، سفيان الثوري وحماد ، وإبراهيم ، والشعبي ، وغيرهم فهذا كله نقله القاضي أبو الطيب الطبري ، ونقل أبو طالب المكي إباحة السماع عن جماعة فقال : سمع من الصحابة عبد الله بن جعفر ، وعبد الله بن الزبير ، والمغيرة بن شعبة ومعاوية وغيرهم ، وقال قد فعل ذلك كثير من السلف الصالح صحابي وتابعي بإحسان ، وقال لم يزل الحجازيون عندنا بمكة يسمعون السماع في أفضل أيام السنة ، وهي الأيام المعدودات التي أمر الله عباده فيها بذكره ، كأيام التشريق ولم يزل أهل المدينة مواظبين كأهل مكة على السماع إلى زماننا هذا ، فأدركنا أبا مروان القاضي وله جوار يسمعن الناس التلحين قد أعدهن للصوفية ، قال وكان لعطاء جاريتان يلحنان فكان إخوانه يستمعون إليهما ، قال وقيل لأبي الحسن بن سالم كيف تنكر السماع وقد كان الجنية وسري السقطي وذو النون يستمعون ، فقال وكيف أنكر السماع وقد أجازه وسمعه من هو خير منى ، فقد كان عبد الله ابن جعفر الطيار يسمع ، وإنما أنكر اللهو اللعب في السماع ، وروي عن يحيى بن معاذ أنه قال فقدنا ثلاثة أشياء فما نراها ولا أراها تزداد إلا قلة حسن الوجه مع الصيانة ، وحسن القول مع الديانة ، وحسن الأخاء مع الوفاء ، ورأيت في بعض الكتب هذا محكيا بعينه عن الحارث المحاسبي وفيه ما يدل على تجويزه السماع مع زهده ، وتصاونه وجده في الدين وتشميره ، قال وكان ابن مجاهد لا يجيب دعوة إلا أن يكون فيه سماع ، وحكى غير واحد أنه قال اجتمعنا في دعوة ومعنا أبو القاسم ابن بنت منيع ، وأبو بكر بن داود ، وابن مجاهد في نظرائهم فحضر سماع فجعل ابن مجاهد يحرض ابن بنت منيع على ابن داود في أن يسمع فقال ابن داود حدثني أبي عن أحمد بن حنبل أنه كره السماع ، وكان أبي يكرهه